هكذا يستثمر المليارديرات أموالهم.. صفقات بافيت وغريفين وكولمان تكشف أسرار السوق
يبدو أن استثمارات المليارديرات لم تعد حكرًا على الغرف المغلقة أو الأسرار المحجوبة عن أعين المستثمرين الأفراد، فبفضل متطلبات الإفصاح التي تفرضها هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، بات من الممكن تتبّع تحركات بعض أغنى رجال العالم في أسواق الأسهم، ومعرفة كيف يوزّعون ثرواتهم، وأي الشركات يراهنون عليها في الفترات المفصلية من عمر السوق.
وفي هذا السياق، أظهرت تقارير الإفصاح ربع السنوية المقدّمة إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، والتي نشرتها رويترز، تفاصيل لافتة حول تحركات استثمارية جديدة قام بها عدد من أبرز المليارديرات، من بينهم وارن بافيت، وكين غريفين، وتشيس كولمان الثالث؛ حيث كشفت بيانات شهر نوفمبرعن صفقات مفاجئة، حملت إشارات مهمة للمستثمرين الساعين إلى فهم توجهات رأس المال الذكي.
وتُلزم القوانين الأمريكية الصناديق الاستثمارية الكبرى بالإفصاح الدوري عن معاملاتها في سوق الأسهم، وهو ما يمنح المتابعين فرصة نادرة للاطلاع على قرارات استثمارية عادة ما تُتخذ خلف الكواليس، ويجعل من هذه التقارير مرجعًا بالغ الأهمية لكل من يحاول استشراف اتجاهات السوق المستقبلية.
صفقة بافيت الكبرى مع ألفابت
على الرغم من أن وارن بافيت لطالما اشتهر بتحفّظه تجاه الاستثمار في قطاع التكنولوجيا، مفضلًا الشركات ذات النماذج التجارية الواضحة والتدفقات النقدية المستقرة، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا تدريجيًا في هذا النهج، مع استثماراته في شركتي آبل وأمازون ضمن محفظة شركة بيركشاير هاثاواي.
غير أن المفاجأة الكبرى جاءت في نوفمبر، عندما أعلنت بيركشاير عن شراء أسهم في شركة ألفابت، الشركة الأم لـجوجل، في خطوة لم تكن متوقعة حتى من قبل أكثر المتابعين قربًا لسياسة بافيت الاستثمارية. فقد استحوذت بيركشاير على أكثر من 17.8 مليون سهم من ألفابت، بقيمة إجمالية بلغت حوالي 3.6 مليار دولار، وبسعر شراء قدره 200.68 دولار للسهم الواحد.
ومنذ تنفيذ الصفقة، بدأت ملامح النجاح في الظهور سريعًا؛ إذ يُتداول سهم ألفابت حاليًا عند مستوى 313 دولار للسهم، ما يعني أن بيركشاير حققت بالفعل أرباحًا تقترب من ملياري دولار في أقل من ستة أشهر، وهو ما يعكس دقة توقيت الدخول إلى السهم.
رهان طويل الأجل على عمالقة التكنولوجيا
وفي ظل قيادة بيركشاير الجديدة، يرجّح محللون أن تشهد محفظة الشركة انفتاحًا أكبر على أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة، لا سيما تلك التي تمتلك قواعد مستخدمين ضخمة وتدفقات نقدية قوية، مثل ألفابت. فشركة تبلغ قيمتها السوقية نحو تريليون دولار، مثل بيركشاير، قادرة على ضخ استثمارات بمليارات الدولارات دون الحاجة إلى السيطرة الكاملة على الشركات المستهدفة.
ويأتي هذا التوجه في وقت تُظهر فيه ألفابت أداءً تشغيليًا قويًا، مدفوعًا بالنمو المستمر لمنصة يوتيوب، إضافة إلى الإشادات المتزايدة بأدوات الذكاء الاصطناعي التي تطورها الشركة، وعلى رأسها نموذج جيميني، ما يعزز جاذبية السهم على المدى الطويل.
وبذلك، تعكس صفقة ألفابت كيف يمكن حتى لأكثر المستثمرين تحفظًا أن يعيدوا النظر في استراتيجياتهم، عندما تتوافر فرص استثنائية تجمع بين النمو والاستقرار.
غريفين يضاعف رهانه على نيو رغم الخسائر
وعلى النقيض من أسلوب بافيت الانتقائي، تتميز استثمارات المليارديرات لدى كين غريفين، مؤسس صندوق سيتادل أدفايزرز، بدرجة عالية من التنوع والتعقيد، إذ تضم محفظته أكثر من 14,000 مركز استثماري، تشمل أسهمًا وخيارات شراء وبيع، إضافة إلى آلاف الصفقات النشطة في كل ربع سنة.
ومع ذلك، يلفت الانتباه احتفاظ غريفين بأسهم شركة نيو الصينية لصناعة السيارات الكهربائية على مدى سنوات، رغم التقلبات الحادة التي شهدها السهم. فقد اشترى غريفين أسهم نيو لأول مرة في سبتمبر 2018، وربما بسعر الطرح الأولي البالغ 6.26 دولار للسهم.
وبالفعل، استفاد من الصعود الكبير الذي شهده السهم، عندما بلغ أعلى مستوى له على الإطلاق عند 62.84 دولار في عام 2021، قبل أن يدخل في موجة هبوط حادة، أوصلته إلى أدنى مستوى له عند 3.14 دولارًا في أبريل.
إستراتيجية المخاطرة المحسوبة
ورغم هذه الخسائر الورقية، تشير البيانات إلى أن غريفين لم يتخلّ عن رهانه على نيو، بل على العكس، ضاعف استثماره في الشركة أربع مرات، في خطوة تعكس قناعة طويلة الأجل بإمكانات الشركة أو بقدرتها على التعافي في مرحلة لاحقة.
ويُظهر هذا النهج جانبًا مختلفًا من استثمارات المليارديرات، حيث لا تقتصر القرارات على الأداء قصير الأجل، بل تمتد لتشمل رهانات استراتيجية على قطاعات كاملة، مثل السيارات الكهربائية، حتى في ظل بيئة تنافسية صعبة وتقلبات سعرية حادة.
وبالتالي، فإن تحركات غريفين تذكّر المستثمرين بأن الصبر وتحمل التقلبات قد يكونان جزءًا لا يتجزأ من إستراتيجية الاستثمار عالي المخاطر والعائد.
تشيس كولمان يدخل بثقل إلى نتفليكس
في سياق آخر، لفت الملياردير تشيس كولمان الثالث الأنظار عندما أعلن في نوفمبر الماضي عن إضافة مركز استثماري جديد وكبير إلى صندوقه تايجر جلوبال مانجمنت، من خلال الاستحواذ على أكثر من مليوني سهم من أسهم نتفليكس.
وبسعر متوسط بلغ 122.66 دولار للسهم الواحد، بلغت كلفة هذا الاستثمار نحو 250 مليون دولار، ما يجعله أكبر استثمار جديد للصندوق خلال تلك الفترة. ويشير هذا الحجم من الاستثمار إلى ثقة مبدئية في قدرة عملاق البث المباشر على تحقيق نمو مستدام أو الاستفادة من تحركات استراتيجية محتملة في القطاع.
وتعددت التفسيرات حول دوافع هذا القرار، بين من رأى أنه رهان على صفقة استحواذ محتملة لشركة وارنر بروس ديسكفري، ومن اعتبره تعبيرًا عن إيمان قوي بمحتوى نتفليكس وقدرتها على الاحتفاظ بجاذبيتها الجماهيرية.
تقلبات السوق تفرض واقعًا مختلفًا
غير أن الرياح لم تجرِ كما اشتهى كولمان حتى الآن، إذ شهد سهم نتفليكس تراجعًا حادًا خلال الشهر الماضي، ليهبط إلى 94.14 دولار للسهم، وهو مستوى أدنى بكثير من متوسط سعر الشراء الذي نفّذه الصندوق.
ويعكس هذا التراجع التحديات التي تواجه حتى أكثر استثمارات المليارديرات جرأة، في ظل بيئة سوقية تتسم بالتقلب، وتغير شهية المستثمرين، وتشديد السياسات النقدية.
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان هذا الاستثمار سيؤتي ثماره على المدى الطويل، كما حدث مع صفقات أخرى بدت خاسرة في بدايتها قبل أن تتحول إلى قصص نجاح لافتة.
خلاصة المشهد أن تتبّع استثمارات المليارديرات لا يقدّم وصفة جاهزة للنجاح، لكنه يمنح المستثمرين رؤى عميقة حول كيفية اتخاذ القرارات في أعلى مستويات رأس المال؛ حيث تتداخل الرؤية بعيدة المدى مع الجرأة، ويصبح الصبر عنصرًا حاسمًا في تحقيق العوائد.















